في إطار الجهود الرامية لمكافحة الجريمة المنظمة والفساد، كشفت هيئة الاسترداد التابعة لرئاسة الادعاء العام، عن آلياتها التفصيلية لاستعادة المتهمين والأموال المهربة إلى خارج البلاد. تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز سيادة القانون وتطبيق العدالة بحق كل من يحاول الإفلات من العقاب أو الاستيلاء على المال العام. وشرح عضو الادعاء العام، لطيف حسين، مهام الهيئة وطبيعة عملها، موضحاً أنها تتولى دراسة ملفات الاسترداد التي ترد من الدائرة القانونية في وزارة الخارجية. هذه الملفات تخص المتهمين الذين ارتكبوا جرائم خارج العراق، حيث يتم رفع مذكرة من رئيس الادعاء العام إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، بهدف استحصال موافقته على تسمية محكمة جنايات مختصة للنظر في طلب التسليم المقدم من الدولة التي وقع الفعل الجرمي على أراضيها. وأضاف حسين أن الهيئة تضطلع أيضاً بمراجعة طلبات الإنابة القضائية والمساعدة القانونية التي تصلها من الدائرة القانونية في وزارة الخارجية، تمهيداً لإرسالها إلى المحاكم المختصة. كما بيّن حسين أن الهيئة تُعنى بتدقيق ملفات الاسترداد المتعلقة بالمتهمين، سواء كانوا عراقيين أو أجانب، الذين ارتكبوا جرائم على الأراضي العراقية وفروا إلى خارجها. هذه الملفات تأتي من المحاكم المختصة، وذلك بعد ورود إشعار من وزارة الداخلية ممثلة بمديرية الشرطة العربية والدولية (الإنتربول) يفيد بالقبض عليهم خارج العراق. تُودع هذه الملفات بعد ذلك لدى الدائرة القانونية في وزارة الخارجية، لإرسالها بالطرق الدبلوماسية إلى الدولة التي يتواجد فيها المتهم. وأشار المدعي العام إلى أن عملية الاسترداد تنقسم إلى شقين أساسيين: الأول هو استرداد الأموال التي هُربت إلى دول أجنبية، وهي عملية معقدة تتطلب تضافر جهود متعددة. تُعتبر هذه العملية من الإجراءات الحيوية لمكافحة الفساد واستعادة الأصول المنهوبة. وفي هذا السياق، قد يندرج استرداد الأموال ضمن اختصاص هيئة النزاهة، استناداً إلى قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011. إلا أن عمل هيئة النزاهة يرتبط برئاسة الادعاء العام من خلال تقديم طلبات المساعدة القانونية، حيث يتم الحصول على موافقة رئيس مجلس القضاء الأعلى لإرسال هذه الطلبات إلى الدولة المطلوب حجز الأموال فيها. أما الشق الثاني فيتمثل في استرداد الأشخاص، وهو ما يقع في صميم أعمال رئاسة الادعاء العام. يستند ذلك إلى أحكام المواد 352-368 من قانون الادعاء العام، والتي تنص على متابعة الإنابة القضائية وتسليم الأشخاص المتهمين والمحكوم عليهم إلى الدولة الأجنبية. يتم ذلك مع الأخذ في الاعتبار أحكام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وقواعد القانون الدولي، ومبدأ المعاملة بالمثل. وتأتي طلبات المساعدة القانونية والإنابة القضائية إما واردة من السلطات القضائية في الدول الأجنبية، أو صادرة من السلطة القضائية في العراق إلى دولة أجنبية. وفي تفصيل للإجراءات المتبعة، أوضح حسين أنه إذا كان الشخص المطلوب تسليمه يحمل الجنسية العراقية، فيتم رفض طلب التسليم مباشرة استناداً إلى أحكام الدستور العراقي. بعد ذلك، يُحال الملف إلى محكمة التحقيق المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، مع إشعار الدولة طالبة التسليم بذلك. أما في حالة كان الشخص المطلوب تسليمه يحمل جنسية أجنبية، فتُسمى محكمة جنايات للنظر في طلب التسليم. وفي حال الموافقة على الطلب أو عدم الموافقة عليه، يُعرض القرار على وزير الخارجية لبيان رأيه، وذلك استناداً إلى أحكام المادة 362 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وأضاف أن رأي وزير الخارجية يُعرض بعد ذلك على رئيس مجلس القضاء الأعلى حصراً. في حال حصول الموافقة من رئيس المجلس، يتم تسليم الشخص من قبل وزارة الداخلية إلى الدولة طالبة التسليم. أما في حالة عدم موافقة رئيس المجلس، فيُطلق سراحه ويتم إشعار الدولة طالبة التسليم بالطرق الدبلوماسية. وتطرق حسين إلى الدور المحوري لنشرات الإنتربول في تعقب المطلوبين دولياً، مشيراً إلى أن مديرية الشرطة العربية والدولية تصدر عدداً من هذه النشرات، وتُعد نشرات الإنتربول الأداة الأكثر فاعلية. يتم بفضل النشرات الحمراء إلقاء القبض على العديد من الهاربين سنوياً، بينما تُستخدم أنواع أخرى لتحديد مكان الأطفال المفقودين وتنبيه السلطات إلى أساليب عمل المجرمين. وبيّن أن النشرة الحمراء هي طلب لتوقيف شخص مطلوب تسليمه، في حين تستخدم النشرة الزرقاء لجمع معلومات إضافية عن هوية شخص أو مكانه. أما النشرة الخضراء فتُعنى بالتحذير من نشاط إجرامي لشخص يشكل خطراً على السلامة العامة، وتُستخدم النشرة الصفراء للمساعدة في العثور على أشخاص مفقودين. وأضاف أن النشرة السوداء تُستخدم للاستعلام عن هويات جثث مجهولة، والنشرة البرتقالية للتحذير من تهديد وشيك للأشخاص أو الممتلكات. وتُستخدم النشرة البنفسجية للكشف عن أساليب عمل المجرمين وتقنياتهم، كما يصدر الإنتربول نشرات فضية حديثة لتتبع وتعقب الأصول المسروقة واستعادتها لأصحابها. وأشار حسين إلى أنه استناداً إلى أحكام المادة 83 من نظام الإنتربول لمعاملة البيانات، فقد وُضعت شروط محددة لإصدار النشرات الحمراء. من بين هذه الشروط، أن تُشكل الجريمة المعنية جريمة خطيرة من جرائم القانون العام، وأن تتوافر عناصر كافية لتحديد هوية الشخص، مثل الاسم العائلي والشخصي والجنس وتاريخ الولادة. وتشمل البيانات المطلوبة أيضاً الأوصاف والبصمة الوراثية وبصمات الأصابع ووثائق الهوية كجواز السفر أو الهوية الوطنية، إضافة إلى ملخص وقائع القضية، ومذكرة توقيف صالحة أو قرار قضائي، والتهمة الموجهة إليه، والعقوبة القصوى الممكنة أو الصادرة بحقه، أو المدة المتبقية من العقوبة. واختتم حسين بتأكيد دور الادعاء العام كحلقة وصل رئيسية بين الجهات القضائية المحلية في الدولة والمنظمات الدولية. فهو يتلقى طلبات الاسترداد من الجهات القضائية عبر الطرق الدبلوماسية، ويعمل على تنظيم ملفات استرداد المتهمين والمحكومين الهاربين، ويرفع الطلب إلى المحكمة المختصة، وهي محكمة الجنايات، للنظر في طلبات التسليم.