تُمارس الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطًا مكثفة على الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، سعيًا لحثهم على الانضمام إلى حملة واسعة تهدف إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بشكل منهجي. تُعد هذه الخطوة تصعيدًا محتملًا من شأنه أن يزيد من حدة التوتر داخل التحالف الغربي ويعمق الخلافات عبر الأطلسي حول مكانة ودور المؤسسات والقواعد الدولية. في سياق هذه الحملة، جرى اجتماع مغلق لسفراء الدول الأعضاء الـ32 في الناتو بالعاصمة البلجيكية بروكسل منتصف يوليو الماضي، حيث طلب المبعوث الأمريكي ماثيو ويتاكر من الدول الحليفة اتخاذ خطوات عملية للانسحاب من نظام روما الأساسي، وهو الوثيقة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية. وقد اختتم ويتاكر مداخلته برسالة واضحة ومباشرة إلى الحلفاء، مفادها أن واشنطن ستراقب عن كثب مواقف الدول لتحديد من يقف إلى جانب الولايات المتحدة في هذا المسعى. بالتزامن مع هذا الاجتماع، قامت البعثة الأمريكية لدى الناتو بتوزيع وثيقة على الوفود المشاركة، حثت فيها الدول الأعضاء على اتخاذ إجراءات فورية للانسحاب من المحكمة، مؤكدة أن الولايات المتحدة تعتزم "تفكيك قدرات المحكمة بشكل منهجي". وقد دعت واشنطن حلفاءها أيضًا إلى تقييم ما تعتبره تهديدًا حقيقيًا تشكله المحكمة على سيادة دولهم، وإلى إدانة ما وصفته بـ"تجاوز صلاحياتها"، إضافة إلى وقف أي دعم مادي أو لوجستي يقدم لها. تندرج هذه الحملة الأمريكية ضمن تحرك أوسع نطاقًا لإدارة الرئيس دونالد ترامب يستهدف عددًا من المؤسسات الدولية، التي ترى واشنطن أنها قد تحد من حرية الولايات المتحدة في اتخاذ القرارات والتحرك على الساحة العالمية. تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أصدرت في 21 نوفمبر 2024، عقب تحقيق معمق في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، وهما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت. وجاءت هذه المذكرات بتهم ارتكاب جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كوسيلة حرب، فضلًا عن جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل العمد والاضطهاد وأفعال لاإنسانية أخرى في قطاع غزة. هذه الخطوة قوبلت برفض قاطع من واشنطن، التي سارعت بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ردًا على قراراتها. وفي سياق متصل، كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد شن في يوليو الماضي هجومًا لاذعًا على المحكمة، متهمًا إياها بالتدخل في السيادة الأمريكية. وصرح روبيو حينها بأن المحكمة وحلفاءها يخوضون "حربًا" ضد الولايات المتحدة الأمريكية من خلال استخدام القوانين والاتفاقيات وما وصفه بـ"القانون الدولي المزعوم". تأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 بهدف محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أشد الجرائم الدولية خطورة، بما في ذلك الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولم تقتصر تحقيقات المحكمة على هذا النطاق، ففي عام 2020، فتحت تحقيقًا في مزاعم تتعلق بجرائم حرب يُزعم أن جنودًا أمريكيين ارتكبوها في أفغانستان، على الرغم من أنها أعادت ترتيب أولويات التحقيق في العام الذي يليه. ومنذ ذلك الحين، لا تزال المحكمة تواجه دعوات لإجراء تحقيقات بشأن هجمات أمريكية استهدفت قوارب يشتبه في ارتباطها بملفات المخدرات في منطقة الكاريبي. تأتي هذه الضغوط الأمريكية في مرحلة دقيقة يمر بها حلف الناتو، الذي يشهد بالفعل خلافات متزايدة بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين حول ملفات أمنية وسياسية حساسة. وقد أثارت مطالبة المبعوث الأمريكي ويتاكر بالانسحاب من المحكمة ردود فعل سلبية ومعارضة شديدة خلال الاجتماع المغلق. فقد دافعت كل من فرنسا وهولندا بقوة عن المحكمة الجنائية الدولية، معربتين عن معارضتهما الواضحة للموقف الأمريكي. أكدت فرنسا التزامها الثابت بدعم المحكمة، في حين شددت هولندا على دعمها الكامل للمحكمة التي تتخذ من مدينة لاهاي مقرًا لها. وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الدول الأعضاء في الناتو تنتمي إلى المحكمة الجنائية الدولية، باستثناء الولايات المتحدة وتركيا، مما يجعل أي تحرك جماعي يهدف إلى تقويضها قضية بالغة الحساسية داخل التحالف. وقد رفعت واشنطن من وتيرة ضغوطها، متعهدة بإجراء تدقيق أكبر في مواقف الدول التي ترفض التخلي عن المحكمة. ويأتي ذلك في الوقت الذي فرضت فيه الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي عقوبات على مسؤولين بارزين فيها، بمن فيهم رئيسة المحكمة توموكو أكاني، مما يعكس جدية الموقف الأمريكي. في المقابل، أكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها ستواصل أداء مهامها باستقلالية وحياد تام، ملتزمة بنظام روما الأساسي الذي قامت عليه، وذلك رغم كل الضغوط المستمرة التي تهدف إلى عرقلة عملها. تُبرز هذه المواجهة جانبًا جديدًا من التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، خاصة في ظل سعي واشنطن الدؤوب لإعادة صياغة أدوار دول الناتو وإعادة توزيع أعباء الدفاع، ضمن استراتيجية تعرف باسم "الناتو 3.0".