مع إعلان الحكومة العراقية عن توقيتات زمنية محددة لإنهاء ملف حصر السلاح بيد الدولة، يبرز هذا الملف كأحد أكثر القضايا تعقيداً على الساحتين السياسية والأمنية. ويأتي هذا التوجه بعد سلسلة من الحوارات والتفاهمات المشتركة بين الأطراف الحكومية وعدة فصائل مسلحة، لاسيما بعد تجاوز مواعيد سابقة من دون استكمال الخطوات التنفيذية بشكل تام. ويتزامن التوقيت الجديد مع تحولات ميدانية بارزة تشمل اختتام المهام العسكرية للتحالف الدولي على الأراضي العراقية، وهو الاعتبار الذي طالما ربطته جهات مسلحة بمواقفها المتعلقة بتسليم العتاد أو الاندماج ضمن المنظومة الرسمية. وفي ظل هذه المعطيات، تتسق التساؤلات المتداولة في الدوائر الرسمية والشعبية حول طبيعة المآلات المحتملة إذا بلغ المشهد التوقيت المحدد من دون إنجاز كامل لأهداف السيطرة الحكومية المطلقة. ولا يمكن اعتبار المهلة الزمنية بمثابة عقوبات فورية تلقائية، إذ تشير المعطيات إلى أن المسار يقوم على أساس تفاوضي تدريجي، حيث أشار رئيس الوزراء إلى فترات تمهيدية تتوقف خلالها العمليات المتبادلة مقابل ترتيبات محددة، وصولاً إلى استكمال الخطوات بحلول الموعد النهائي. وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة أن التوقيت جاء ثمرة تفاهمات مشتركة ولجنة مختصة نسقت مع مختلف الأطراف ذات الصلة، مما يعني أن انقضاء المدة من دون اكتمال تام لن يفضي بالضرورة إلى مواجهة مسلحة مباشرة، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتحكم فيها مواقف الأطراف المعنية والتوجهات السياسية العامة. ويبرز الاحتمال الأول المتمثل في تمديد الفترة الزمنية المتاحة، خصوصاً إذا أثمرت الحوارات عن تقارب ملحوظ وتقدم جزئي على الأرض، وهو سيناريو مألوف في هذا المسار الذي شهد مسبقاً تعديلات في المواعيد نتيجة استمرار التفاوض الهادف للوصول إلى صيغة تضمن انتقال القرار العسكري تدريجياً إلى مؤسسات الدولة دون اصطدام مباشر، رغم ما قد يثيره ذلك من تساؤلات سياسية بشأن قدرة السلطة على فرض جداول زمنية ملزمة. أما السيناريو الثاني فيتعلق بإمكانية دمج العناصر القتالية بدلاً من الاكتفاء بجمع العتاد والآليات، إذ لا تقتصر الإجراءات الحكومية على الأسلحة وحدها بل تمتد لهيكل الفصائل ومستقبل منتسبيها، حيث طرحت مقترحات تنظيمية لتوحيد الرواتب والامتيازات وإيجاد آلاف الوظائف في السلكين العسكري والشرطي لمن يسلمون أسلحتهم، مما يجعل عدم اكتمال نزع السلاح مرادفاً لإعادة هيكلة وتفاهمات جديدة. وفي المقابل، يمثل السيناريو الثالث بقاء جزء من القدرات خارج السيطرة الرسمية مع استمرار التفاوض، وهو الوضع الأشد تعقيداً لأنه يتعلق بمرجعية قرار استخدام القوة، وسط تحذيرات سياسية من تصلب المواقف، بينما يرى آخرون أن انسحاب القوات الأجنبية يسهم في نزع ذرائع الرفض. وحال تعثر التوصل لاتفاق مع الفصائل الكبرى، ستلجأ الدولة إلى الخيارات القانونية والسياسية بحذر شديد لتجنب تداعيات أمنية واسعة، خصوصاً أن امتلاك بعض الجماعات لترسانات متطورة يجعل أي احتكاك محتمل أزمة واسعة النطاق تهدد استقرار مؤسسات الحكم. ويظل جوهر القضية مرتبطاً باحتكار الدولة لقرار استخدام القوة وتأثير ذلك على السياسة الخارجية للعراق وتجنب الأزمات الإقليمية الدبلوماسية، فضلاً عن كونها اختباراً حقيقياً لهيبة السلطة وسيادة القانون وتنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والتنظيمات المسلحة، متأثرةً بالديناميكيات الإقليمية والدولية والعلاقة مع واشنطن وطهران، لتبقى الخيارات مفتوحة بين التمديد، والتوسيع في برامج الدمج، والتدابير القانونية، وصولاً إلى محطات اختبار فاصلة تحدد طبيعة مستقبل الدولة العراقية وتنظيمها العسكري والسياسي.