تتزايد التحذيرات من المخاطر الكبيرة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مما يستدعي تعاملاً جاداً مع هذه القضية دون أن تتحول إلى ذريعة لتعزيز هيمنة مختبرات بعينها أو تصعيد التنافس الجيوسياسي. هذا ما يؤكده أليكس كراسودومسكي، الباحث البريطاني البارز ومدير برنامج المجتمع الرقمي في معهد "تشاتام هاوس" المرموق، الذي شدد على أهمية التوازن في التعامل مع هذه التحديات التكنولوجية. وقد شهدت الأوساط البحثية والتطويرية للذكاء الاصطناعي مؤخراً موجة من التحذيرات القاتمة حول كارثة وشيكة قد تنجم عن التقدم المتسارع في هذا المجال. فقد أعرب موظفون حاليون وسابقون، إضافة إلى قادة في مختبرات أمريكية رائدة، عن مخاوف عميقة. وذهب أحد الموظفين السابقين في أحد المختبرات إلى حد التحذير من أن خروج تطوير الذكاء الاصطناعي عن السيطرة قد يؤدي إلى "فناء البشرية في المستقبل القريب". في استجابة لهذه المخاوف، اقترح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" الرائدة في الذكاء الاصطناعي، إبطاء وتيرة التطوير لضمان سلامة هذه التقنية الحيوية. وقد حظي هذا المقترح بتأييد شخصيات بارزة في القطاع، بمن فيهم سام ألتمان وإيلون ماسك، مما يسلط الضوء على الإجماع المتزايد حول الحاجة الملحة لمعالجة قضايا السلامة. ويؤكد كراسودومسكي أنه بينما لا يمكن لأي مراقب لهذا المجال أن يختلف على أهمية التركيز المتزايد على السلامة عند تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي، فإنه يحذر من أن هذا الاهتمام بالمخاطر طويلة الأمد يجب ألا يغفل الآثار الفورية الحالية لهذه التقنية. كما ينبغي ألا تُستخدم هذه القضية كأداة لإقصاء المنافسين للشركات المهيمنة حالياً في السوق. ويشدد على أن معالجة هذه المسألة تتطلب نوعاً من التوافق الدولي، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين. يشير الخبراء إلى أن المسار المحتمل نحو الكارثة، كما وصفه أمودي وآخرون، يكمن في تقنية تُعرف بـ "التحسين الذاتي المتكرر". هذا النهج، الذي بدأ يدخل حيز التنفيذ الفعلي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وإن كان لا يزال في مراحله الأولية، ينطوي على مخاطر جمة. ويكمن الخطر في أن تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتدريب أنظمة أخرى، مما قد يؤدي إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة التطوير. وقد يصل هذا التسارع إلى "نقطة تحول" يصبح عندها الذكاء الاصطناعي قادراً على تطوير ذاته بمعزل عن أي رقابة بشرية. في حين يرى كراسودومسكي أنه ليس من الواضح تماماً ما إذا كان هذا المسار وحده كافياً لإنتاج نماذج ذكاء اصطناعي تهدد السيطرة البشرية، إلا أن التطور السريع لقدرات هذه التكنولوجيا خلال السنوات القليلة الماضية يجعل استبعاد هذا الاحتمال تماماً أمراً متهوراً. وقد أشار خبراء آخرون إلى أن بعض المزاعم الأخيرة قد لا تستند إلى أسس متينة بالكامل. ففيما يتعلق بالأمن السيبراني، على سبيل المثال، استبعد مؤسس المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة إمكانية قيام نموذج ذكاء اصطناعي بتعطيل شبكة الإنترنت بأكملها في غضون عام، واصفاً ذلك بـ "تجربة فكرية طُرحت كتحذير مبني على أدلة". ومع ذلك، فقد حظيت رسالة الخطر الوجودي للذكاء الاصطناعي بتغطية إعلامية واسعة دون معارضة تذكر. ويؤكد كراسودومسكي أن بعض المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي فورية ومؤكدة. فخلال العامين المقبلين، ستشهد التقنيات القائمة على التعلم الآلي تطوراً وانتشاراً كبيراً، مما سيعيد تشكيل الاقتصادات، المجتمعات، الحكومات، ساحات المعارك، والفصول الدراسية بشكل جذري. وقد شهد علماء الرياضيات بالفعل "لحظة لي سيدول" الخاصة بهم، والتي تعبر عن حالة القلق التي تصيب الإنسان عندما تتفوق الآلات عليه في مهام كانت حصرية للبشر. ومن المتوقع أن يمر غالبية الناس بتجربة مماثلة قريباً. من جانبها، تُدرك شركات الذكاء الاصطناعي نفسها الآثار الفورية بشكل جيد. فقد كشف تقرير صدر مؤخراً عن شركة "أنثروبيك" عن حالات إساءة استخدام لمنتجاتها في أغراض التجسس، الهجمات السيبرانية، عمليات التلاعب بالمعلومات، وتطوير الأسلحة. وتُبقي معظم المختبرات الكبرى على قدرات بحثية واسعة لدراسة التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي. هذا التحول التكنولوجي يعيد تشكيل وجه المجتمع الدولي، ولا يمكن ترك آثاره الراهنة دون ضوابط أو تنظيم. إن الآثار الحالية حقيقية، والمخاطر قصيرة الأجل كبيرة، كما أن المخاطر الممتدة على المدى البعيد، سواء تمثلت في تراجع تدريجي لدور البشر مع تولي الآلات مسؤوليات أكبر، أو في حدوث تطور مفاجئ، هي مخاطر محتملة وتستدعي اهتماماً جدياً. وتتسارع الجهود العالمية التي يقودها خبراء مثل ستيوارت راسل للتوصل إلى اتفاق دولي يحدد "خطوطاً حمراء" واضحة وقابلة للتحقق لمنع حدوث عواقب كارثية. ويُعتبر هذا التوجه ضرورياً لتجنب إضاعة الفرصة الأولى لوضع نظام حوكمة عالمي ملزم وقابل للتطبيق على هذه التكنولوجيا الناشئة. ويشدد كراسودومسكي على أن الشفافية من جانب مختبرات الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية. وأشار إلى أن النموذج الذي اقترحه أمودي، والذي يتمثل في وجود طرف ثالث أو جهة مستقلة مدمجة داخل المختبرات، تتمتع بصلاحيات مماثلة لصلاحيات الموظفين، ومهمتها تقييم تدابير الحماية التي تتخذها الشركات، هو مطلب طالما نادى به المدافعون عن حوكمة الذكاء الاصطناعي. ويُعد قيام شركة "أنثروبيك" بتطبيق هذا الأمر من جانب واحد، مع استعداد بعض المختبرات الأخرى لأن تحذو حذوها، خطوة مهمة إلى الأمام. إذا تم إنشاء مثل هذا الطرف الثالث، فمن الضروري للغاية أن يتم اختياره من خارج "فقاعة وادي السيليكون" لضمان حياديته وفعاليته. ويبدو "معهد سلامة الذكاء الاصطناعي" في المملكة المتحدة أحد أكثر المؤسسات المرشحة ملاءمة لهذا الدور على مستوى العالم. كما أن هناك نماذج وطنية للرقابة على الذكاء الاصطناعي تشبه "إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية أو نماذج دولية مثل "الوكالة الدولية للطاقة"، والتي تمثل خيارات موثوقة للرقابة. وعلى الرغم من الدعوات للتعاون، فقد قوبل اقتراح أمودي بأن تتعاون مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية معاً لوضع معايير موحدة وتنسيق إبطاء وتيرة العمل بانتقاد لاذع من ديفيد ساكس، المسؤول السابق عن ملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض. فقد كتب ساكس على منصة إكس داعياً إلى "التوقف عن التظاهر بأن قوانين مكافحة الاحتكار يجب أن يتم تعطيلها لتشكيل تكتل احتكاري (كارتل)، والتوقف عن الادعاء بالحاجة إلى عملية موافقات تنظيمية تتجاوز قواعد مسؤولية المنتج". واعتبر أن "المطالبة بإطار تنظيمي مفضل باعتباره الثمن... ستبدو وكأنها ابتزاز للجمهور والنظام السياسي". يعكس هذا الموقف مخاوف مشروعة من أن الضغوط الهائلة التي تواجهها هذه الشركات لتلبية توقعات الإيرادات قد تدفعها لمحاولة توسيع ميزتها التنافسية على حساب المنافسين. ويرفض الخبراء أي جهد من هذا النوع، مؤكدين أن المنافسة لتحقيق أداء أفضل وموثوقية ستكون ضرورية لتعزيز سلامة الذكاء الاصطناعي على المدى القريب. كما أنها قد تسهم في إبطاء وتيرة التطوير، لأنها تضعف الحافز التجاري لضخ رؤوس أموال ضخمة في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي متطورة ورائدة، والتي تزداد تكلفتها باستمرار. يجب أن تدق ناقوس الخطر أي سياسة مقترحة تعرقل المنافسة، مثل حظر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، أو تخفيف قوانين المسؤولية عن المنتج، أو حظر استخدام النماذج الحالية التي ثبتت سلامتها. ويُشدد على أنه لا ينبغي على المملكة المتحدة، على سبيل المثال، حظر نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر أو مفتوحة الأوزان. في الختام، لن تكتمل أي جهود للحفاظ على السيطرة البشرية على تطوير الذكاء الاصطناعي دون نوع من التفاهم بين القوى العظمى في هذا المجال، وهما الولايات المتحدة والصين. يمكن أن يتم ذلك من خلال تحديد "خطوط حمراء" مشتركة، على غرار ما اقترحه البروفيسور راسل. ومع ذلك، يشير كراسودومسكي إلى أن الطرح الحالي، الذي يرتكز بشكل كبير على الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة على الصين، يجعل تحقيق هذا التفاهم أكثر صعوبة. فبينما يرى أمودي ضرورة أن تحافظ الديمقراطيات على تقدمها على الصين ويتهم بكين بتبني نهج أقل صرامة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، يصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذكاء الاصطناعي على أنه "لعبة صفرية"، مؤكداً على أهمية الفوز بالسباق في هذا المجال. في المقابل، تحدث الرئيس الصيني شي جين بينج علناً عن ضرورة وجود سيطرة بشرية على الذكاء الاصطناعي. كما حذرت وكالة الاستخبارات الصينية من المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي. ومع ذلك، فإن إصرار الصين على تعزيز رؤيتها الخاصة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، في سياق تنافسها مع واشنطن، سيؤدي بلا شك إلى تأجيج سباق التسلح في هذا المجال، وهو ما لن يساهم في كبح سرعة التطور. ويختتم كراسودومسكي تحليله بالتأكيد على أن ملف الذكاء الاصطناعي سيكون حاضراً على طاولة النقاش عند لقاء ترامب وشي في واشنطن لاحقاً هذا الشهر، وأن تحقيق تقدم ليس مستحيلاً، لكنه سيتطلب جهوداً هائلة في ظل إصرار الأصوات البارزة في البلدين على التفوق.