تشهد منصات التواصل الاجتماعي موجات حنين قوية إلى الماضي، تجذب ملايين المستخدمين لحقب زمنية سابقة. أحدثها "تريند الثمانينيات" الذي اجتاح الهواتف الذكية بسرعة فائقة، محولاً الصفحات الشخصية إلى ما يشبه لقطات سينمائية قديمة. تظهر في هذا التريند نظارات شمسية عريضة، تسريحات شعر صاخبة، وجاكيتات جينز كلاسيكية، لتعيد سحر الألوان البراقة التي ندر رؤيتها اليوم. لكن خلف هذا السحر والبهجة الظاهرة، يتخفى جانب مظلم ينبه إليه خبراء الأمن السيبراني. فهم يحذرون من أن هذا التفاعل الواسع قد لا يكون مجرد تسلية بريئة، بل قد يمثل فخاً تقنياً مصمماً بعناية لاستدراج المستخدمين لتقديم أثمن ما يملكون: بياناتهم البيومترية الحساسة. تعتمد هذه التطبيقات والمواقع على إغراء المستخدمين برفع صورهم الشخصية لاستعادة أجواء الحقبة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي. إلا أن الآلية البرمجية التي تُدار بها هذه العمليات تثير الكثير من الريبة. عند رفع الصورة، يجري النظام مسحاً دقيقاً للغاية لتضاريس الوجه ويستخرج الأبعاد الدقيقة التي تشكل بصمتك الفريدة. هذه البيانات هي نفسها التي تعتمد عليها الأجهزة الحديثة لفتح الهواتف وتأكيد الهويات. تنتقل الخطورة هنا من مجرد تسريب صورة عادية إلى تهديد مباشر لأمان المستخدم الرقمي والمالي. فبينما يمكن تغيير كلمة المرور المخترقة في ثوانٍ، يستحيل تغيير ملامح وجهك إذا وقعت بصمتك البيومترية بيد القراصنة. تُستخدم البصمة البيومترية اليوم لتأكيد المعاملات المصرفية بمعظم التطبيقات البنكية، مما يعرض الحسابات للاختراق. كما يمكن استغلال الصور في تقنيات التزييف العميق (Deepfake) لإنتاج مقاطع فيديو وهمية تستخدم بالاحتيال أو الابتزاز. وقد تباع هذه القواعد الضخمة من البيانات في "الدارك ويب" لتغذية أنظمة المراقبة والتعرف على الوجوه دون موافقتك. يزداد الوضع تعقيداً مع انتشار روابط خارجية مجهولة يدّعي مروجوها أنها تقدم النتائج الأفضل. غالباً ما تتضمن هذه الروابط برمجيات خبيثة أو صفحات تصيد (Phishing) تستهدف اختراق الهاتف والوصول إلى معرض الصور بأكمله. لتجنب السقوط في هذه الفخاخ دون حرمان النفس من متعة المشاركة في الصيحات الرقمية، يوصي الخبراء بالابتعاد تماماً عن أي روابط خارجية مجهولة. ينبغي الاعتماد فقط على الفلاتر والأدوات المدمجة ضمن التطبيقات الموثوقة مثل إنستغرام وتيك توك. كما يجب إدارة الأذونات بعناية، وذلك بمراجعة سياسات الخصوصية وإلغاء أذونات الوصول للكاميرا والمعرض فور الانتهاء من استخدام التطبيق. في الختام، يبقى الحنين إلى الماضي جزءاً من الطبيعة البشرية التي تستغلها التطبيقات بذكاء، لكن التخلي عن الحذر الرقمي مقابل "صورة مزيفة من الثمانينيات" قد يكلف الكثير في الحاضر والمستقبل.