تشهد منطقة القرن الأفريقي تطورات ميدانية واستراتيجية متسارعة، في ظل مساعٍ حثيثة لترتيب الأوراق الأمنية والجيوسياسية على وقع التنافس الدولي والمحلي المتصاعد. وفي هذا السياق، كشفت تقارير إسرائيلية عن تحركات عسكرية مصرية واسعة النطاق تتضمن تجهيز قواعد ونشر قوات على الأراضي الصومالية، ضمن خطوة استراتيجية تهدف إلى محاصرة إثيوبيا وإحباط أي نفوذ محتمل للتل أبيب في المنطقة الحيوية المطلة على الممرات المائية الهامة. وأوضحت التقارير العبرية أن هذه الخطوات تمثل زلزالا جيوسياسيا بالغة الأهمية، حيث تسعى القاهرة إلى خلق توازن استراتيجي في مواجهة التمدد الإثيوبي الذي يحظى بمصالح متقاطعة إقليمياً ودولياً. وتستند هذه التحركات أساساً إلى اتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين القاهرة ومقديشو، إضافة إلى انضمام مصر لبعثة حفظ السلام الأفريقية الجديدة، مما يعكس رغبة واضحة في مواجهة التحديات المرتبطة بملف سد النهضة والممر البحري. وفي ظل توقيع أديس أبابا مذكرة تفاهم مع إقليم صوماليلاند الانفصالي، سارعت مصر لتقديم دعم عسكري واسع شمل تدفق شحنات الأسلحة وآلاف العناصر العسكرية لتعزيز الحضور الميداني بالشرق الصومالي. كما تأتي هذه التطورات كاستجابة مباشرة للتحركات الدبلوماسية المرتبطة بالاعتراف بصوماليلاند، وسط مخاوف من تشكيل محور إقليمي يسيطر على الملاحة البحرية. وعلى الصعيد الميداني، لا تقيم القوات المصرية قواعد جديدة تماماً من الصفر، بل تعمد إلى الاستيلاء على وتجهيز معسكرات وقواعد جوية سابقة أخلاها مراقبون دوليون، مع التركيز على مواقع حيوية تشمل قاعدة باليدوجل الجوية الواقعة شمال غرب مقديشو، إلى جانب بلدات إقليم شبيلي الوسطى وقرب الحدود الإثيوبية لتشكيل قوة ردع فعالة. وفي غضون ذلك، يتسق هذا التواجد البري المصري مع التنسيق الوثيق مع أنقرة التي تمتلك قواعد وبنى تحتية عسكرية وصاروخية متقدمة في مقديشو وورشيخ، حيث تدمج الدولتان قدراتهما لتوفير حماية شاملة بحرية وبرية وتكنولوجية. وإن هذا التحالف الإقليمي المتنامي يفرض تحديات جديّة أمام حرية الحركة العسكرية والاستخباراتيّة المرتبطة بالتواجد في مطار بربرة ومحيطه، مما يضع المشهد الأمني برمته أمام مرحلة جديدة من صراع النفوذ بين المحور العربي التركي من جهة، والتحالفات المقابلة في القرن الأفريقي من جهة أخرى، لحماية الأمن القومي والمائي ومواجهة التعقيدات الجيوسياسية المتزايدة.