يشهد الاتحاد الأوروبي اقترابًا متزايدًا من مواجهة تجارية مع الصين، مدفوعًا بتدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة التي تُشكل تهديدًا مباشرًا لقطاع التصنيع الحيوي في القارة. وتُثير هذه الظاهرة مخاوف متصاعدة داخل العواصم الأوروبية، مما يدفع العلاقة الاقتصادية مع بكين إلى مرحلة حساسة للغاية. تتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة تقييم طبيعة العلاقات التجارية مع الصين، في ظل قناعة متنامية بأن الاختلالات التجارية الحالية لم تعد مجرد قضية اقتصادية عابرة، بل باتت تمثل تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد لقدرة أوروبا على الحفاظ على قاعدتها الصناعية ومكانتها التنافسية عالميًا. تُراقب بروكسل بقلق شديد الارتفاع الملحوظ في الصادرات الصينية نحو الأسواق الأوروبية خلال الأشهر الأخيرة، حيث عززت بكين اعتمادها على قطاع الصناعة والتصدير لدعم نموها الاقتصادي، في مواجهة تباطؤ داخلي وأزمة عقارية مستمرة. وقد أظهرت البيانات للربع الأول من عام 2026 اتساعًا قياسيًا في الفجوة التجارية بين الطرفين، مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى أوروبا. هذا التوسع يأتي في وقت يواجه فيه المصنعون الصينيون تباطؤًا في الطلب المحلي ويسعون للتوسع الخارجي، بينما تزيد الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود من جاذبية السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة للمستهلك الأوروبي. وفي هذا السياق، حذر خبراء اقتصاديون في بروكسل من أن المخاوف الأوروبية تتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية، مع تنامي الحديث عن مخاطر حقيقية تهدد مستقبل قطاعات صناعية بأكملها إذا استمرت هذه الاتجاهات دون تدخل فعال. تُعد ألمانيا من الدول الأوروبية الأكثر عرضة لتداعيات هذه التحولات، نظرًا لاعتماد اقتصادها الكبير على الصناعة والسيارات والكيماويات. وتواجه الشركات الألمانية منافسة متزايدة من نظرائها الصينيين داخل أوروبا وخارجها، بينما تتراجع قدرتها على تحقيق النمو في السوق الصينية التي كانت لعقود محركًا رئيسيًا لأرباحها. هذا الوضع يُثير قلقًا بشأن الوظائف والاستثمارات الصناعية، خاصة مع استمرار تدفق المنتجات الصينية المدعومة بأسعار يصعب على المنتجين المحليين منافستها. ويرى صناع القرار الأوروبيون أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الأسعار، بل تمتد لتشمل الدعم الحكومي الصيني الواسع الذي يمنح الشركات الصينية مزايا تنافسية غير عادلة. تتزايد الدعوات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي لتبني سياسات أكثر حزمًا لحماية القطاعات الاستراتيجية. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تطوير أدوات صناعية وتجارية أوروبية مماثلة لتلك المستخدمة في الولايات المتحدة، بينما طالب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الصين بفتح أسواقها لتجنب الإجراءات الدفاعية الأوروبية. وقد أعدت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وليتوانيا وهولندا وثيقة مشتركة تدعو إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة ما وصف بفائض الطاقة الإنقتاجية الهيكلي لدى بعض الشركاء التجاريين، في إشارة واضحة للسياسات الصناعية الصينية. كما يناقش الاتحاد الأوروبي مشروع "قانون تسريع الصناعة" لدعم التصنيع المحلي وتقليص استفادة الشركات الأجنبية من برامج الدعم الأوروبية. في المقابل، ترى بكين في التحركات الأوروبية خطوات حمائية تستهدف نجاحها الصناعي، وحذرت من أنها سترد على أي إجراءات تمس مصالحها الاقتصادية. وقد استخدمت الصين بالفعل أدوات ضغط تجارية سابقًا، كفرض قيود على صادرات المعادن النادرة والمغناطيسات، مما كشف حجم الاعتماد الأوروبي على المكونات الصينية في قطاعات حيوية. كما أصدرت الصين قواعد جديدة تمنح السلطات صلاحيات واسعة لفحص الشركات ومنع مسؤولين من مغادرة البلاد في سياق نقل سلاسل التوريد. وتُشير تقييمات لغرفة التجارة الأوروبية في الصين إلى أن هذه الإجراءات قد تُلحق أضرارًا غير مسبوقة بالمصالح الأوروبية في السوق الصينية. على الرغم من تصاعد الخطاب الأوروبي، يدرك الاتحاد الأوروبي صعوبة تقليص الاعتماد على ثاني أكبر شريك تجاري له. فالكثير من الحكومات الأوروبية تخشى ردود فعل صينية قد تؤثر على صادراتها واستثماراتها، بينما يظل المستهلكون الأوروبيون يُقبلون على المنتجات الصينية لأسعارها التنافسية. ويقف الاتحاد الأوروبي أمام معادلة معقدة؛ سعياً لحماية صناعته دون الانزلاق إلى مواجهة اقتصادية شاملة قد تُكلف القارة ثمناً باهظاً. ومع اقتراب اجتماعات مجموعة السبع والقادة الأوروبيين، من المتوقع أن يكون ملف العلاقات التجارية مع الصين في صدارة الأجندة الاقتصادية والاستراتيجية للقارة.